الحجم القانوني الكبير للصفقات العمومية في الجزائر
لقد ازدادت في الآونة الأخيرة
أهمية النفقة العامة بازدياد الحاجات المجتمعية التي تلبيها، بحيث أصبحت لها آثار
واضحة على مجريات الحياة داخل الدولة وانعكاسات على الأسعار، الإنتاج، الاستهلاك،
التشغيل، وإعادة توزيع الدخل القومي...
وإذا كانت الدولة بعكس الأفراد، ونظرا لما لها من سيادة وسلطان على البلاد والعباد، تقوم بتحصيل ما يلزم من الإيرادات العامة لتغطية نفقاتها، بناءا على قاعدة "أولوية النفقات على الإيرادات" فإن تعدد وظائف الدولة، وتزايد حجم الإنفاق العام، ومحدودية الموارد، جعل من الضروري الحفاظ على الموارد العامة من التبذير والإسراف، وسوء التدبير عموما، الأمر الذي أضحى معه "ترشيد الإنفاق العمومي" مطلبا أساسيا سواءا في الدول المتقدمة أو الدول النامية التي هي أحوج ما تكون إليه لتحقيق هذا الهدف المنشود وكذا تحقيق التنمية الشاملة .
ففي الجزائر أصبحت شعارات
"العقلنة والترشيد، في مجال تدبير الأموال العمومية" يتردد على الألسن
سواءا من طرف الحكومات المتعاقبة، أو في مجالس البرلمان، أو من طرف الأحزاب
السياسية، لاسيما مع ما تمر به البلاد منذ بداية الجراك الشعبي وهذا ماأثر على اقتصادها.
فتسعى الجزائر في ظل هذه الظروف إلى قيادة وتوجيه مختلف إداراتها العمومية وذلك لتجنب انسدادها وتلبية للحاجات مواطنيها ، وهذا من خلال تحسين وتطوير وتغيير مختلف هذه الادارات نحو الأفضل
وذلك بوضع نظام إداري فعال وقوي للقيام بمختلف العمليات الإدارية والتي تتميز بالتنوع والتعدد في مختلف المجالات وكل
ماله علاقة بالصالح العام، هذا الأخير يعتبر الهدف الأسمى الذي وجدت من أجله وتسعى
من خلال مختلف هذه العمليات إلى تحقيقه بصورة رشيدة وفعالة، ونظرا لتعدد الاختصاصات وكذا تعدد الوظائف وتشعبها في
الوقت الراهن، والتي من خلالها أصبحت الدولة عاجزة عن مباشرة أعمالها بنفسها ما
فرض عليها البحث عن أنجع السبل لتحقيق أهدافها التنموية، فكان التعاقد هو المسلك
الرئيسي لذلك، ففتحت الباب على مصراعيه لإشراك القطاع الخاص في مشاريعها من خلال
تبني نظرية العقود الإدارية وبالتحديد نظام الصفقات العمومية والذي يشكل جزءا كبيرا
من الإنفاق العام الجزائري.
ولقد عرف هذا
النظام تطورات عديدة منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، فكانت البداية بموجب الأمر رقم
67-90 المؤرخ في 17/06/1967، والذي عرف تأثرا كبيرا بقانون الصفقات العمومية
الفرنسي 1964، وهذا بفعل العاملين التارخي والزمني اللذين لم يسمحا بميلاد قانون
بكامله في فترة قصيرة، تلاه المرسوم رقم 82-45 المؤرخ في 10/04/1982، ثم المرسوم
رقم 91-434 المؤرخ في 9/09/1991، بعد ذلك المرسوم الرئاسي رقم 02-250 المؤرخ في
24/06/2002 والذي جاء لتجسد أكبر قدر من الشفافية والمنافسة وكذا الاستعمال الأمثل
للأموال العمومية، ليتم تعديله بموجب المرسوم الرئاسي رقم 03-301 المؤرخ في
11/09/2003، ولتدارك نقائص هذا الأخير صدر المرسوم الرئاسي رقم 08-338 المؤرخ في
26/10/2008، ليصدر فيما بعد المرسوم
الرئاسي رقم 10-236 المؤرخ في 07/10/2010 والذي غطى جزءا يسيرا من الهفوات التي وجدت في القوانين السالفة الذكر ليصدر في فترة ليست بعيدة المرسوم الرئاسي رقم 15-247 المؤرخ في 16 سبتمبر 2015 المتضمن تنظيم الصفقات العمومية وتفيويضات المرفق العام والذي جاء بمقاربات جديدة وحساسة إلا أن له عدة تأويلات ضمن مواده، هذا ما يؤكده حجم الأرساليات ولاستشارات القانونية الواردة الى وزارة المالية وبالخ قسم الصفقات العمومية بها.
فمن خلال تطور النظام القانوني للصفقات العمومية يظهر لنا جليا حجم
الترسانة القانونية التي خصها بها المشرع الجزائري، فالصفقات العمومية تعد الأداة الأهم
التي وضعها هذا الأخير في يد السلطة العامة (الدولة، الولاية، البلدية، المؤسسات...)
للتكفل بالعمليات المالية المتعلقة بإنجاز، تسيير وتجهيز المرافق العامة، خاصة وأن
الاقتصاد الجزائري يعتمد بصفة أساسية على ضخ الأموال العامة من أجل تنشيط العجلة
الاقـتصادية، إذ تعد الصفقات العمومية أداة أساسية لتطوره ووسيلة ضرورية لتطبيق
السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة، وذلك بزيادة
حجم النفقات العامة، الأمر الذي يجعل خضوع إبرامها إلى خطوات وإجراءات صارمة وكذا
رقابة فعالة أمرا ضروريا، بغرض التأكد من احترام القوانين المنظمة لها ومن ثمة
تحقيق المبادئ التي جاء لتحقيقها قانون الصفقات العمومية.
د: ع.ب

تعليقات: 0
إرسال تعليق